شروط التوبة النصوح، وخصائص التائب

بِسـْـــــــــــــمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
شروط التوبة النصوح، وخصائص التائب
التوبة هي وظيفة العمر، ومن فضل الله على عباده أن الله يقبل توبة التائب بل يفرح ويسر لذلك. والتوبة واجبة من كل ذنب كبيراً كان أم صغيراً قال تعالى: ” وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ “[النور:31]
قال صلى الله عليه وسلم: (للهُ أشدُ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة -صحراء- فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد يئس من راحلته. فبينما هو كذلك، إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح) [متفق عليه، مسلم رقم “2747”]
وقد نهانا ربنا عن القنوط من رحمة الله مهما ارتكب أحدنا من الذنوب والمعاصي قائلاً: ” قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ” [الزمر: 53]

التوبة النصوح لها شروط
• من حقوق الله عز وجل:
1.أن يعزم ألّا يعود إلى الذنب الذي تاب منه حتى يعود اللبن إلى الضرع.
2.الندم على ما مضى.
3.الإقلاع عن الذنب في الحال.
4.مفارقة قرناء السوء الذين كانوا يشاركونه في المعصية.
5.الاكثار من الاستغفار.
6.سؤال الله أن يثبته على ذلك.
7.أن يكررها إذا انتكس.
8.أن يتحرى الصدق كما فعل كعب بن مالك حيث ختم الله توبته عليه وعلى إخوانه بقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ” [التوبة: 119]
• من حقوق الآدميين:
تشترط كل الشروط السابقة، مع رد المظالم إلى أهلها صغيرة كانت أم كبيرة، وإذا تعذر ذلك يدعو لأصحابها.
• من البدع:
المبتدع لا تقبل توبته حتى يعلنها مفصلة لقوله تعالى: ” إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ” [البقرة: 160]
ومن النادر جداً توبة المبتدع. ومن هذا النادر توبة الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله عن الإعتزال، وكذلك عن العقيدة الأشعرية التي تنسب إليه حيث ألف “كتاب الإبانة في أصول الديانة” وهو كتاب محقق مطبوع.
خِصَال التائب الحق
لقد بين ربنا صفات التائب الحق في سورة التوبة قائلاً: ” التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ” [التوبة:112]
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ( قال تعالى: “التائبون” فكأن قائلاً يقول: من هم؟ قيل: هم العابدون السائحون إلى آخر الآية. وقال: [وخصال التائب قد ذكرها الله في آخر سورة براءة، فقال: “التائبون العابدون” فلابد للتائب من العبادة والاشتغال بالعمل للآخرة، وإلاّ فالنفس همامة متحركة، إن لم تشغلها بالحق، وإلاّ شغلتك بالباطل، فلابد للتائب أن يبدل تلك الخطوات بخطوات للخير، فلابد للتائب أن يبدل تلك الأوقات التي مرت له في المعاصي بأوقات الطاعات، وأن يتدارك ما فرط فيها، وأن يبدل تلك الخطوات للخير، ويحفظ لحظاته و خطواته ولفظاته وخطراته.
قال رجل للجنيد: (أوصني؟ قال: توبة تحل الإصرار، وخوف يزيل العزة، ورجاء مزعج إلى طريق الخيرات، ومراقبة الله في خواطر القلب. فهذه صفات التائب. ثم قال الله تعالى: “الحامدون السائحون الراكعون الساجدون…إلخ” فكل تائب لا يتلبس بعد توبته بما يقربه إلى من تاب إليه فهو في بعد وإدبار، لا في قرب وإقبال، كما يفعل من اغتر بالله من المعاصي المحظورات، ويدع الطاعات، فإن ترك الطاعات وفعل المعاصي أشد وأعظم من ارتكاب المحرمات بالشهوة النفسية. فالتائب هو من اتقى المحذورات، وفعل المأمورات، وصبر على المقدورات، والله سبحانه وتعالى هو المعين الموفق، وهو عليم بذات الصدور). [البداية والنهاية لابن كثير جـ9/164]

الحذر من توبة الكذابين
الاستغفار مع الاصرار على المعصية.
ولله در القائل: استغفارنا يحتاج إلى استغفار.
والقائل:
استغفر الله من استـــــــــغفر الله
من لفظة بدرت خالفت معناهــــا
وكيف أرجو إجابات الدعاء، وقد
سددت بالذنب عند الله مجــراها؟
لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة من إصرار
الحذر من محقرات الذنوب ولله در ابن عباس القائل: (لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار).
فالإصرار يجعل الصغيرة كبيرة.
فالبدار البدار بالتوبة النصوح والحذر الحذر من التسويف.

اللهم تب علينا واهدنا واصلحنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، واهدِ أبناءنا وبناتنا، وأصلح أزواجنا واختم بالصالحات أعمالنا.
والحمدلله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

وكتبه: الأمين الحاج محمد أحمد
رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان
رئيس رابطة علماء المسلمين
لخمس عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول 1439 هـ

الكاتب الأمين محمد أحمد

الأمين محمد أحمد

مواضيع متعلقة

اترك رداً