الكارثة العظمى، والطامة الكبرى! اختلاط النساء بالرجال الأجانب

img

الكارثة العظمى، والطامة الكبرى! اختلاط النساء بالرجال الأجانب

الحمدلله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد خير المرسلين، وعلى آله وصحبه وأزواجه الطاهرين الطيبين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمَّا بعد..
فمن أخطر الأمور التي عمت بها البلوى في هذا العصر، وكانت سبباً لانتشار الفاحشة في الذين آمنوا، وظهور الأوبئة الفتاكة التي لم تكن معروفة في إسلافنا، ونُزِعت بها البركات، وحُبِست بها الرحمات، اختلاط النساء بالرجال الأجانب، وتبرير البعض له، وجعل بعضه مأموناً، وزعم البعض بأنه صحي للعلاقات الاجتماعية بين الجنسين، وكل هذا هراء ووهم يكذبه الواقع المعاش، والنتائج السالبة، والآثار الخبيثة، دعك عن تحريم الشرع له، وتحذيره منه، ونصح العقلاء والحكماء من الاقتراب منه.
فما تعريفه وحكمه في الشرع، وهل هناك اختلاط مأمون العواقب، وآخر مذموم؟، وما هي أخطر مجالاته وآثاره السيئة، ومآلاته الخطيرة؟، وعن سد الشارع الحكيم للذرائع المؤدية له؟، وعن الأسباب الرئيسة لتفشي هذه الظاهرة الخطرة والكارثة العظيمة التي عمت بها البلوى وكثرت منها الشكوى، وأضحت نذير شؤم للأمة إن لم يتداركها الله برحمته؟، فنقول وبالله التوفيق.
تعريف الاختلاط
هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد، يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، وامتزاج بعضهم ببعض، وجلوس بعضهم مع بعض، ومزاحمة بعضهم البعض بالركب وتقارب أنفاسهم، وكشفهم على بعض.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله معرفاً له: (هو اجتماع الرجال بالنساء الأجنبيات في مكان واحد، بحكم البيع، أو العمل، أو الشراء، أو النزه، أو السفر، والتعليم، أو نحو ذلك)، (فتاوى ومقالات جـ1/420).
حكم الاختلاط
اختلاط الرجل أو الرجال بالمرأة الأجنبية أو بالنساء الأجنبيات حرام شديد الحرمة، ومن كبائر الذنوب والآثام؛ لأنه من أسباب الفتنة وثوران الشهوات، ومن الدواعي لاقتراف الفواحش والمحرمات، وهو مفضي للخلوة، وإلى ما يترتب عليها من المهلكات.

أدلة التحريم
الأدلة على تحريم اختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات، وهنَّ غير المحارم كثيرة جداً من القرآن الكريم والسنة المطهرة والاجماع والآثار، بجانب المشاهدات والمآلات.
فمن القرآن:
• قوله عز وجل: “وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ”، (سورة الأحزاب: 53).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تأويلها: (أي كما نهيناكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن، فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلاَّ من وراء حجاب).
وهذا ليس من خصائص أمهات المؤمنين، كما يزعم بعض المتفلتين المتمردين على الشرع، بل عام يشمل جميع نساء العالمين غير المحرمات على المسلم.
• وقوله: “قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا”، (سورة النور: 30-31).
ولا شك أن الاختلاط مفضي إلى النظر المحرم والنظرة سهم من سهام إبليس.
لقد صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعليّ رضي الله عنه: “يا عليّ لا تتبع النظرة النظرة، فإنَّ لك الأولى، وليست لك الثانية”، (صحيح سنن أبي داود للألباني رقم [2149]، وقال: صحيح).
فالنظرة تفعل في القلب ما يفعله السهم في الرمية؛ فإن جرحته جرحاً فجرحه لا يندمل أبداً، فليس لها شبه إلاَّ الشرارة من النار تقع في الهشيم. ولله در القائل:
كل الحوادث مبداها من النظــــر ومعظم النار مـن مستصغر الشـرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بـــلا قــوس ولا وتــــر
والمرء مادام ذا عين يقلبهــــــــا في أعين الغير موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضـــر مهجتَـــــــه لا مرحبـــــــاً بسرور عاد بالضرر
ورحم الله القائل: نظرة، فسلام، فابتسامة، فكلام، فموعد، ولقاء.
ومن السنة:
إذا كان اختلاط الرجالب بالنساء منهي عنه، ومحذر منه في دور العبادة، المساجد، في الصلاة والطواف، فمن باب أولى وبالأحرى تحريمه في غيرها.
يقول مصنف (جامع أحكام المرأة المسلمة صـ487): (وقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم منع اختلاط الرجال بالنساء حتى في أحب بقاع الأرض إلى الله، وهي المساجد، وذلك بفصل صفوف النساء عن الرجال، والمكث بعد السلام حتى ينصرف النساء، وتخصيص باب خاص في المسجد النبوي للنساء.
ثمَّ أورد عدداً من الأدلة على ذلك، هي:
• عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم، قام النساء حين يقضي تسليمه، ومكث يسيراً قبل أن يقوم”، قال ابن شهاب: فأرى والله أعلم أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم)، (صحيح البخاري رقم [837].
• وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو تركنا هذا الباب للنساء”، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات)، (صحيح سنن أبي داود للألباني رقم [534]، وقال: صحيح).
• وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها”، (صحيح مسلم رقم [440]).
• روى أبو أُسيد الأنصاري رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للنساء: “استأخرن فإنه ليس لكن أن تحقُقن الطريق – أي تسرن وسط الطريق- عليكنَّ بحافات الطريق، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها”، (أبو داود في الأدب رقم [5272]، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع جـ1/حديث رقم [929]).
قلت: كان هذا هو سلوك النساء إلى وقت قريب قبل فشو الاختلاط عن طريق الاعلام المتهتك، وتقليد الكفار في وسائل التعليم، وقد شاهدنا ذلك كثيراً.
• عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم، إلاَّ مع ذي محرم”، (مسلم رقم [420])، والعلة في هذا النهي، حذر الاختلاط بالرجال الأجانب، وخشية ما تلاقه من المخاطر.
• وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: “سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري”، (صحيح مسلم رقم [2159]).
• وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إياكم والدخول على النساء”، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو!، قال: “الحمو الموت”، (البخاري رقم [5232]، ومسلم رقم [2172]).
الحمو: قريب الزوج كأخيه، وابن عمه، وابن خاله، ونحوهم.
(فالخوف منه أكثر من غيره، والشر متوقع منه، والفتنة به أكبر، لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة بها من غير نكير، بخلاف الأجنبي البعيد، ومعنى الحديث: احذروا الاختلاط بالنساء والخلوة بغير المحارم).

الآثار والفتاوى
الآثار، والفتاوى، وأقوال أهل العلم المقتدى بهم في النهي والتحذير من اختلاط الرجال بالنساء الاجانب كثيرة، ولكن نذكر منها ما يسره الله تعالى:
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تحت مبحث (منع اختلاط النساء بالرجال)، في كتابه القيم: (الطرق الحُكْمية في السياسة الشرعية) صـ328-330: (ومن ذلك أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق، والفُرج –في الشواطئ، والحدائق، والألعاب-، ومجامع الرجال.
قال مالك رحمه الله ورضي الله عنه: أرى للإمام أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم، وأرى ألا يترك المرأة الشابة تجلس إلى الصناع، لا فرق في ذلك بين الشابة والمتجالة؛ فإنَّ لكل ساقطة لاقطة، فأمَّا المرأة المتجالة، والخادم الدون، التي لا تتهم على القعود، ولا يتهم من تقعد عنده: فإني لا أرى بذلك بأساً، انتهى.
فالإمام مسؤول عن ذلك، والفتنة به عظيمة –أي الختلاط–، قال صلى الله عليه وسلم: “ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء”، وفي حديث آخر قال للنساء: “لكن حافات الطريق”.
ويجب عليه –أي الإمام ومحتسبيه– منع النساء من الخروج متزينات متجملات، ومنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات، كالثياب الضيقة والرقاق، ومنعهن من حديث الرجال في الطرقات، ومنع الرجال من ذلك.
وإن رأى ولي الأمر –أي محتسبوه– أن يفسد على المرأة، إذا تجملت وتزينت وخرجت ثيابها بحبرو نحوه، فقد رخَّص في ذلك بعض الفقهاء والأصحاب، وهذا من أدنى عقوبتهن المالية.
وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها، ولا سيما إذا خرجت متجملة، بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهن على الإثم والعصية، والله سائل ولي الأمر عن ذلك.
وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه النساء من المشي في طريق الرجال، والاختلاط بهنَّ في الطريق.
فعلى وليّ الأمر أن يقتدي به في ذلك.
وقال الخلال في جامعه: أخبرني محمد بن يحي الكحال، أنه قال لأبي عبدالله – أحمد بن حنبل-، أرى الرجل السوء مع المرأة؟، قال: صح به، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: “أن المرأة إذا تطيبت وخرجت م نبيتها فهي زانية”، وإن لم تزن فعليها وزر الزنا، ويمنع المرأة إذا أصابت بخوراً أن تشهد عِشاء الآخرة في المسجد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان”.
ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بدعة وشر، وهو من أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة.
البغايا وعسكر موسى
ولما اختلط البغايا –الزواني– العاهرات، بعسكر موسى، وفشت فيهم الفاحشة: أرسل الله عليهم الطاعون –نحوالكُلِرَة– فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفسير.
فمن أعظم أسباب الموت العام: كثرة الزنا، بسبب تمكن النساء من الاختلاط بالرجال، والمشي بينهن متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمور ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية –قبل الدِّين– لكانوا أشد الناس منعاً لذلك.
قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: “إذا ظهر الزنا في قرية، أذِنَ الله بهلاكها”.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا عبدالرحمن بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما طفف قوم كيلاً، ولا بخسوا ميزاناً، إلاَّ منعهم الله القطر –المطر– ولا ظهر في قوم الزنا إلاَّ ظهر فيهم الموت، ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلاَّ ظهر فيهم الخسف، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاَّ لم ترفع أعمالهم، ولم يسمع دعاؤهم”، ( ).
وكان عليّ رضي الله عنه يقول: “ألا تستحون؟!، ألا تغارون؟!، يترك أحدكم امرأته تخرج بين الرجال، تنظر إليهم وينظرون إليها”، (كتاب الكبائر للذهبي صـ137).
سئل الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله عن مناسبات الزواج التي يختلط فيها الرجال بالنساء في ألعاب، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟.
فأجاب: (اختلاط النساء بالرجال يلعبون فهذا غلط، وهذا لا يجوز، فكيف المرأة تخالط الرجال، وتلعب معهم ويلعبون معها؟! أين الشهامة العربية؟! أين المروءة الإسلامية؟!، فهل مثلك أو فلان يرضى أن زوجته أو بنته أو أخته تدخل في مجتمعات الرجال وترقص بينهم، وتلعب معهم ويلعبون معها)، (برنامج نور على الدرب).
وسئل الشيخ العثيمين رحمه الله عن الاختلاط في الجامعات؟
فأجاب: (الاختلاط بين الرجال والنساء فتنة كبيرة، فتحرزوا منه ما أمكن، وأنكروه ما استطعتم، نسأل الله لنا ولكم السلامة)، (مجموع الفتاوى جـ2/896).
وسئل الشيخ بن باز: هل يجوز للمسلم أن يدخل سوقاً تجارياً، وهو يعلم أن في السوق نساء كاسيات عاريات، وأن فيه اختلاطاً لا يرضاه الله عز وجل؟
فأجاب: (مثل هذا السوق لا ينبغي دخوله، إلاَّ لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أو لحاجة شديدة مع غض البصر، والحذر من أرباب الفتنة، حرصاً على السلامة لعرضه ودينه، وابتعاداً من وسائل الشر، ولكن يجب على أهل الحسبة، وعلى كل قادر أن يدخلوا مثل هذه الأسواق لإنكار ما فيها)، (الفتاوى – كتاب الدعوة جـ2/227-228).

أخطر مجالات أماكن الاختلاط
أخطر مجالات أماكن الاختلاط ما يأتي:
1. الاختلاط في المدارس والمعاهد والجامعات.
2. الاختلاط في المجالس والمكاتب.
3. الاختلاط في بين الأقارب والجيران.
4. الاختلاط في مناسبات الأفراح والأتراح.
5. الاختلاط في الشواطئ والحدائق والمنتزهات.
6. الاختلاط في الأسواق.
7. الاختلاط في المراكب العامة.
8. الاختلاط عند بائعات الشاي والكسرة.
الاختلاط كله حرام مذموم ليس منه شيء مأمون
من أخطر الأمور مسألة التحريم والتحليل من غير دليل ولا برهان، وأخس من ذلك فعل هذا منافقة للحكام والمجتمع لكسب رضاهم، من ذلك تقسيم البعض الاختلاط بين الرجال الأجانب والنساء الأجنبيات إلى مأمون العواقب وغير مأمون، ويعنون بذلك الختلاط في المدارس والجامعات، معللين ذلك بعلل فاسدة وأقوال ساقطة من أنه يولد التنافس، ويعمل على تهذيب السلوك بين الجنسين، وضعف الإمكانات وما إلى ذلك من الهراء.
السبب الرئيس لذلك هو تقليد الكفار والتشبه بهم، فوالله الذي لا إله إلاَّ هو لو فصل الكفار البنات عن الأولاد في الدراسة عندهم لهرع قومنا لتنفيذ ذلك وبرروا لذلك مصداقاً لما تنبأ به رسول الإسلام وحذر منه: “لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه”، (الحديث).
وإلاَّ فقد أضحى عدد الدارسين في الجامعات والمعاهد كبيراً جداً من الجنسين، ولذلك يقسموا في الكلية الواحدة بل في القسم الواحد إلى مجموعات مختلطة، فما المانع أن يجعل الأولاد في مجموعة والبنات في مجموعة أو مجموعات منفصلة درءاً للمخاطر العديدة والمفاسد الكثيرة، والكوارث العظيمة التي نتجت من هذا الاختلاط الذي يزعم البعض إنه اختلاط مأمون؟!.
فكم من أخلاق دمرت، وأعراض انتهكت، وسلوك غيرت، وحياء نزع، وفشل في الدراسة ذريع لعدد من هؤلاء الضحايا، بسبب هذا الجرم العظيم والإثم المبين.
لنضرب على ذلك نموذجاً واحد لضحية من ضحايا الاختلاط.
سأل شاب الشيخ العثيمين رحمه الله قائلاً: إنه من أسرة غنية، يدرس في مدرسة مختلطة، مما ساعده على إقامة علاقات شائنة مع الجنس الآخر، وقد غرق في المعاصي، فماذا يفعل حتى يقلع عما هو عليه فيه؟، وهل له من توبة؟، وما شروط هذه التوبة؟.
فأجاب سماحته: في هذا السؤال مسألتان:
الأولى: ما ينبغي أن نوجهه للمسؤولين في الدول الإسلامية حيث مكنوا شعوبهم من الدارسة في مدارس مختلطة؛ لأنَّ هذا الوضع مخالف للشريعة الإسلامية، وما ينبغي أن يكون عليه المسلمون.
ثمَّ ذكر عدداً من أدلة تحريم الاختلاط.
ثمَّ قال: وإذا كان النساء شقائق الرجال، فلهن الحق في تعلم ما ينفعهن كما للرجال، لكن لهن علينا أن يكون حقل تعليمهن في منأ من حقل تعليم الرجال.
أمَّا المسألة الثانية: فهي سؤاله: فهل له من توبة؟
فقال عنها: فإني أبشره أن باب التوبة مفتوح لكل تائب، وأن الله يحب التوابين ويغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها، قال تعالى: “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ”، (سورة الزمر: 53)، (مجلة المسلمون عدد 59)، مع الاتيان بشروط التوبة المعروفة.
تحريم الأسباب المؤدية للاختلاط
من قواعد الشريعة الغرَّاء، والحنيفية السمحة، قاعدة سد الذرائع، وهي الوسائل التي تفضي إلى الحرام، ولذلك حرَّم الشارع الحكيم والرسول الكريم كل الوسائل التي يمكن أن تؤدي إلى هذه الجريمة النكراء والمصيبة العظمى –اختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات–.
من ذلك:
1. تحريم الاختلاط حتى في أماكن العبادة وبين عُمَّار المساجد، ولذلك حكم بأن خير صفوف النساء أواخرها وشرها أوائلها، على العكس من ذلك صفوف الرجال حذراً من الاختلاط، وقد سبقت الأحاديث في ذلك.
2. تحريم الخلوة بالأجنبية
اختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات من أقوى أسباب التمكن من الخلوة المجمع على حرمتها، فقال: “ألا لا يخلونَّ رجل بامرأة فإنَّ ثالثهما الشيطان”، (صحيح الإسناد، أخرجه أحمد جـ1/18، والترمذي رقم [2166])، وقال: “لا يخلونَّ أحدكم بامرأة إلاَّ مع ذي محرم”، (متفق عليه).
3. تحريم سفر المرأة بغير محرم ولو لأداء فريضة الحج في أرجح قولي العلماء لحديث: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلاَّ مع ذي محرم عليها”، (متفق عليه).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله لعيه وسلم يقول: “لا يخلونَّ رجل بامرأة إلاَّ ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلاَّ مع ذي محرم”، فقال له رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا؟، قال: “انطلق فحج مع امرأتك”، (متفق عليه).
4. الأمر بغض البصر.
5. تحريم الدخول على النساء ولو من الأحماء.
6. تحريم مصافحة المرأة الأجنبية.
لقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إني لا أصافح النساء”، (صحيح سنن الترمذي للألباني رقم [1597]).
وقالت عائشة رضي الله عنها: “ما مست يدُ رسول الله يدَ امرأة، ما كان يبايعهن إلاَّ بالكلام”، ( ).
إذا لم يصافح الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم؟، ولو في البيعة؟، فمن باب أولى أمته من بعده، وليس هذا من خصائصه، وإنما هو حكم عام.
الأسباب الرئيسة لتفشي هذه الظاهرة
أسباب تفشي هذه الظاهرة في مجتمعات المسلمين في هذا العصر كثيرة منها:
1. ضعف الوازع الديني.
2. الجهل بالشرع.
3. الاستهانة بغض البصر.
4. انعدام الغيرة على المحارم، على محارم الله وعلى من يلي الرجل من النساء.
5. ضعف قوامة الرجال على النساء لتمرد النساء وللحملات المسعورة والمطالبة بتسوية المرأة بالرجال في كل شيء.
6. غياب فريضة الأمر والنهي التي هي سفينة النجاة لهذه الأمة، وصمام الأمان لها.
الآثار السيئة والمآلات الخطيرة لهذه الظاهرة
لظاهرة الاختلاط، واستهانة ولاة الأمر بها آثار سيئة كثيرة، ومآلات خطيرة من ذلك:
1. الافضاء للخلوة المحرمة.
2. فساد الأخلاق خاصة بين الشباب والشابات.
3. إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.
4. تسهيل وتيسير فاحشة الزنا.
5. سبب رئيس لنزول العقوبات ونزع البركات.
6. من أقوى أسباب تفشي الطواعين والأمراض الخبيثة التي لم تكن في سلف هذه الأمة.
7. زعزعة الثقة بين الأزواج وتفشي ظاهرة الطلاق.
8. اتخاذ المرأة سلعة رخيصة.
9. كثرة الخبث وقد فسَّر بكثرة أولاد الزنا، وبالزنا، والفسوق والفجور.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح جـ13/109 في شرح حديث زينب بنت جحش: “ويل للعرب من شر قد اقترب”، الحديث رقم [7135]، وفيه: “ونهلك وفينا الصالحون؟”.
وفي تأويل قوله: “إذا كثر فيهم الخبث”، (فسروه بالزنا وأولاد الزنا وبالفسوق والفجور، وهو أولى لأنه قابله بالصلاح).
قال ابن العربي المالكي: (فيه بيان بأن الخيِّر يهلك بهلاك الشِّرِّير، إذا لم يغير عليه خبثه، وكذلك إذا غيَّر عليه ولكن حيث لا يجدي ذلك، ويصر الشِّرِّير على عمله السيء).
10. عائق للتحصيل العلمي.
خوف السلف الصالح من الخلوة والاختلاط
قال سيد التابعين، وأحد فقهاء المدينة السبعة سعيد بن المسيب رحمه الله: (ما أيس الشيطان من شيء إلاَّ أتاه من قِبل النساء).
وقال –وهو ابن أربع وثمانين سنة– قد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى: “ما شيء أخوف عندي من النساء”، (سير أعلام النبلاء جـ3/237).
قالوا: يا أبا محمد، إن مثلك لا يريد النساء ولا تريده النساء، قال هو ما أقول لكم، وكان شيخاً كبيراً أعشى، (السير جـ4/241).
وقال التابعي الكبير والإمام القدير عطاء بن أبي رباح رحمه الله: (لو ائتمنت على بيت مال لكنت أميناً، ولا آمن نفسي على أمة شهواء)، دميمة المنظر.
قال الذهبي: صدق ففي الحديث: “ألا لا يخلونَّ رجل بامرأة، فإنَّ ثالثهما الشيطان”، (صحيح الإسناد أحمد جـ1/18، والترمذي رقم [2166])، (السير جـ5/87-88).
كيف لا يخاف المؤمن ويخشى الاختلاط والخلوة بالنساء الأجانب، وقد وصف الله كيدهن بأنه عظيم ووصف كيد الشيطان بأنه ضعيف؟، “إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ”، (سورة يوسف: 28)، “إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا”، (سورة النساء: 76).
ورحم الله الإمام القحطاني المالكي القائل في نونيته:
واغضض جفونك عن ملاحظة النساء ومحـــاسن الأحداث والصبيـــــــان
واعرض عن النسوان جهدك وانتـدب لعنـــــــاق خيرات هناك حســــــان
لا تخل بامرأة لديـك بريبـــــــــة لو كنت في النسّاك مثل بنان
إنّ الرجال الناظريــن إلى النســــــــا مثل الكلاب تطوف باللحمان
إن لم تصــــن تلك اللحومَ أسودُهــــــا أكلت بلا عَوِض ولا أثمان
لا تقبلنّ من النســــاء مـــــودّة فقلوبهــنّ سريعة الميلان
لا تتركن أحـــــداً بأهلك خاليـــــاً فعلى النســاء تقاتل الأخوان
(بنان: هو أبو الحسن بنان بن محمد بن حمدان بن سعيد الزاهد، يُعرف بالحمال، كان مَضرب المثل في العبادة والزهد، أصله من واسط، ونشأته وإقامته ببغداد. وقد انتقل قبيل وفاته إلى مصر ومات بها في رمضان 316هـ، رحمه الله).
(تقاتل الأخوان: كما جاء في قتل قابيل لهابيل).
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة رضي الله عنها عن أحسن شيء للمرأة؟، قالت: “ألاَّ ترى رجلاً وألاَّ يراها رجل” –أي أجنبياً– فضمها أليه وقال: “ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ”.
كل أنواع الزنا التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة، كلها ثمرة من ثمار النظرة المسمومة والاختلاط المحرم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كتب على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأُذنان زناهما الاستمتاع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفَرْج أو يكذبه”، (متفق عليه، البخاري رقم [6243]، ومسلم رقم [2657]).
قال الإمام النووي رحمه الله: (معنى الحديث أن ابن آدم قدر عليه نصيب من الزنا، فمنهم من يكون زناه حقيقياً بادخال الفَرْج في الفَرْج الحرام، ومنهم من يكون زناه مجازاً بالنظر الحرام، أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله، أو بالمس باليد، بأن يمس أجنبية بيده أو يقبلها، أو المشي بالرِّجل إلى الزنا، أو النظر، أو اللمس، أو الحديث الحرام مع أجنبية، ونحو ذلك، أو بالفكر بالقلب)، (صحيح مسلم شرح النووي جـ8/457).
وكان يونس بن عبيد يوصي بثلاث، يقول: (لا تدخل على السلطان، وإن قلت: آمره بطاعة الله، ولا تدخل على امرأة وإن قلت: اعلمها كتاب الله –وإن كانت سورة الفاتحة–، ولا تضع أذنك لصاحب بدعة لو قلت: أرد عليه)، (الفتاوى جـ10/577).
من المسؤول عن هذه الجريمة البشعة
لا شك أن المجتمع كله، بكل شرائحه، مسؤول عن ذلك مع تفاوت في ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم بعد أن خص عمم: “وكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”، (الحديث).
لكن المسؤولية العظيمة تقع على ولاة الأمر من الحكام ومن يليهم من المسؤولين في الجامعات، والمدارس، والوزارات، والمصالح.
ويليهم ولاة الأمر من الوالدين ومن يليهم.
ثمَّ العلماء بتقصيرهم ببيان خطورة ذلك على الإسلام والمسلمين، ومنهم بتبريرهم لهذا الجرم العظيم بأنَّ بعضه مأمون، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.
ووسائل الاعلام التي لها دور سلبي في السعي والترويح والاعلان لكل أسباب الفاحشة في الذين آمنوا.
والعامة كذلك مسؤولون لعدم تصديهم لهذا المنكر حسب الطاقة.
فعلى الجميع أن يتقوا الله في نساء المسلمين، وفي شبابهم وشاباتهم، وأن يسعوا للحد من هذه الظاهرة الخطيرة والمصيبة العظيمة، وليعلموا أن الخير يخص، والشر يعم، وليتقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منهم خاصة.
وليعلم الجميع أن قول الحق لمن كان يبتغي وجه الله عز وجل لا يقرِّب من أجل، ولا يُبَاعد من رزق.
اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.
اللهم ردنا إليك جميعاً رداً جميلاً، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وصلى الله وسلم على الرسول الكريم، الرؤوف الرحيم، وعلى آله وصحبه والتابعين.

كتبه
الأمين الحاج محمد
رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان
لثلاث ليال من ذي الحجة 1433هـ

الكاتب الأمين الحاج محمد أحمد

الأمين الحاج محمد أحمد

مواضيع متعلقة

اترك رداً